سيد قطب

3267

في ظلال القرآن

ويجمل السياق هنا ما كان بين هود وقومه من جدل طويل ، ليمضي إلى النهاية المقصودة أصلا في هذا المقام ؛ ردا على التحدي والاستعجال . « فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا . بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ : رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها ، فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ . كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ » . . وتقول الروايات : إنه أصاب القوم حر شديد ، واحتبس عنهم المطر ، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف . ثم ساق اللّه إليهم سحابة ، ففرحوا بها فرحا شديدا ، وخرجوا يستقبلونها في الأودية ، وهم يحسبون فيها الماء : « قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا » . . وجاءهم الرد بلسان الواقع : « بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ : رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها » . . وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى . كما جاء في صفتها : « ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ » . والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير : « تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها » وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس . فهذا الوجود حي . وكل قوة من قواه واعية . وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه . والإنسان أحد هذه القوى . وحين يؤمن حق الإيمان ، ويفتح قلبه للمعرفة الواصلة ، يستطيع أن يعي عن القوى الكونية من حوله ، وأن يتجاوب معها ، وأن تتجاوب معه ، تجاوب الأحياء المدركة ، بغير الصورة الظاهرة التي يعرفها الناس من الحياة والإدراك . ففي كل شيء روح وحياة ، ولكننا لا ندرك هذا لأننا محجوبون بالظواهر والأشكال عن البواطن والحقائق . والكون من حولنا حافل بالأسرار المحجوبة بالأستار ، تدركها البصائر المفتوحة ولا تراها الأبصار . وقد أدت الريح ما أمرت به ، فدمرت كل شيء « فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ » . . أما هم وأما أنعامهم وأما أشياؤهم وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى . إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة ، لا ديار فيها ولا نافخ نار . . « كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ » . . سنة جارية وقدر مطرد في المجرمين . وعلى مشهد الدمار والخراب يلتفت إلى أمثالهم الحاضرين ، يلمس قلوبهم بما ترتعش منه القلوب : « وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ . وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً . فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ . إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ . وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » . . هؤلاء الذين دمرتهم الريح المأمورة بالتدمير . مكناهم فيما لم نمكنكم فيه . . إجمالا . . من القوة والمال والعلم والمتاع . وآتيناهم أسماعا وأبصارا وأفئدة - والقرآن يعبر عن قوة الإدراك مرة بالقلب ومرة بالفؤاد ومرة باللب ومرة بالعقل . وكلها تعني الإدراك في صورة من صوره - ولكن هذه الحواس والمدارك لم تنفعهم في شيء . إذ أنهم عطلوها وحجبوها « إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ » . . والجحود بآيات اللّه يطمس الحواس والقلوب ، ويفقدها الحساسية والإشراق والنور والإدراك . « وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » . . من العذاب والبلاء . . والعبرة التي يفيدها كل ذي سمع وبصر وقلب ، ألا يغتر ذو قوة بقوته ، ولا ذو مال بماله ، ولا ذو علم بعلمه . فهذه قوة من قوى الكون تسلط على أصحاب القوة والمال والعلم والمتاع ، فتدمر كل شيء ، وتتركهم « لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ » حين يأخذهم اللّه بسنته التي يأخذ بها المجرمين .